فخر الدين الرازي
395
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فيقال : مرض من كذا وفي المفارقة يقال : عن ، فيقال : برئ عن المرض ؟ نقول : الجواب هو أن السبب الذي يثبت أمرا في شيء كأنه ينفصل عنه شيء ويثبت في مكانه فعله ، فهناك أمران ونظران إذا نظرت إلى المحل ورأيت فيه شيئا تقول : هذا من ماذا ، أي ابتداء وجوده من أي شيء فيقع نظرك على السبب فتقول : هذا من هذا أي ابتداء وجوده منه ، وإذا نظرت إلى جانب المسبب ترى الأمر الذي صدر عنه كأنه فارقه والتصق بالمحل ، ولهذا لا يمكن أن يوجد ذلك مرة أخرى ، والسبب كأنه كان فيه وانتقل عنه في أكثر الأمر فههنا يكون الأمران من الأجسام والأمور التي لها قرب وبعد ، إذا علم هذا فنقول : المراد هاهنا بيان خمر الآخرة في / نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم لما كان مدحا لها ، وأما إذا قال : هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحا لها فلما وقع النظر عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلا بكثرة الشرب وقوته عليه ، فإنك تقول : في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد . المسألة الثالثة : قوله تعالى : وَلا يُنْزِفُونَ تقدم تفسيره في الصافات والذي يحسن ذكره هنا أن نقول : إن كان معنى لا يُنْزِفُونَ لا يسكرون ، فنقول : إما أن نقول معنى : لا يُصَدَّعُونَ أنهم لا يصيبهم الصداع ، وإما أنهم لا يفقدون ، فإن قلنا : بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على طريقة الارتقاء ، فإن قوله تعالى : لا يُصَدَّعُونَ معناه لا يصيبهم الصداع لكن هذا لا ينفي السكر فقال : بعده ولا يورث السكر ، كقول القائل : ليس فيه مفسدة كثيرة ، ثم يقول : ولا قليلة ، تتميما للبيان ، ولو عكست الترتيب لا يكون حسنا ، وإن قلنا : لا يُنْزِفُونَ لا يفقدون فالترتيب أيضا كذلك لأن قولنا : لا يُصَدَّعُونَ أي لا يفقدونه ومع كثرته ودوام شربه لا يسكرون فإن عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب عجيب وإن قلنا : لا يُنْزِفُونَ بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك . فنقول : أيضا إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله : لا يُصَدَّعُونَ لا يكون بيان أمر عجيب إن كان شرابهم قليلا فقال : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ينزفون الشراب ، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب ، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 20 إلى 21 ] وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه الجر ، والفاكهة لا يطوف بها الولدان والعطف يقتضي ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حالتين أحدهما : حالة الشرب والأخرى حال عدمه ، فالفاكهة من رؤوس الأشجار تؤخذ ، كما قال تعالى : قُطُوفُها دانِيَةٌ [ الحاقة : 23 ] وقال : وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [ الرحمن : 54 ] إلى غير ذلك ، وأما حالة الشراب فجاز أن يطوف بها الولدان ، فيناولوهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام ، كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده عنده وإن كان كل